عمر الحمود *
منذ سنواتٍ ليست بعيدة كنت أمشي في شوارع الرقة، ولا أقطع خطوةً إلا وأرفع يدي لردّ تحيّةٍ من أحد الأقارب أو الأصحاب، أو أقف معه للسؤال المتبادل عن الأحوال، والرقة كلّها معارف وودّ أصحاب وأقارب وبهجة عيد ومروءات وذاكرة، وموسيقا إنشاد، وكلّ فخّارة فيها تفوح برائحةٍ تخصّها، بل المكان الرقّاوي روح وقلب وعين.كنتُ أزور فيها مَنْ أريد، ولا أقرع الأبواب، فالبيوت بلا أبواب، وإنْ وّجِدَتْ الأبواب، فلا تُغلق.
لكنّني اليوم أقطع طولَ شارع وعرضه، ولا أجد وجوهاً مألوفة، وأطيافاً أنيسة، صدمتني وجوهٌ بديلة، وبسحناتٍ غريبة، وطباعٍ أغرب، عدا المظاهر الغريبة التي باتت تتلاطم فيها يمنة ويسرة كعباءات (الشيوخ) الجدد، وأقلام المرتزقة!
ترحّمت على نسيجٍ اجتماعي متينٍ متآلف، وتأجج الحزن في داخلي حين رأيتُ الخراب الثقيل يُطبق على معالمها الشهيرة، فسورها الأثري في حالةٍ يرثى لها، ويضاف إليه قصر البنات، والجسر القديم، والجامع العتيج، وحارات المحبّة، والأسماء المألوفة، و...
حتى الفرات لم يعد هو الفرات، صار خيطاً رمادياً نحيلاً، بالكاد يحافظ على مجراه في جغرافية تعددت فيها الرايات، وتزاحم عليها الطامعون من كلّ مِلّة!
وبحثتُ عن وجه الرقة المحبوب، تلك المدينة التي عشقناها، وكلّما ابتعدنا عنها يرمينا الحنين إليها، ولم أجدْه، وجدتُ بقاياه المتشظية مدمّاة بين أنقاضٍ، وغبار، ونزيف، تترنّح على رمالٍ متحركة!
ولو نظرت رقة اليوم إلى وجهها في المرآة لأنكرته دامعة، باتت مدينة لاتشبه نفسها، وضيّعت تفاصيلها الجميلة، وتخشى على ملامح هويتها العربية!
يُدميني انحدارها إلى المجهول، وتشيؤ القيم فيها، وعقوق بعض أبنائها لها، وطعنات آخرين لم يسألوا عنها، وكأنّ سعادتهم في البعد عنها، ولم يتركوا لها ذكريات وداع يليق بها.
كنت أظنّ أنّ التغيير في حكم العابر، لكنّه طالَ كليلِ الهموم والشجون.
وشعورٌ غامض يوحي إليّ أنّ الرقة تُخطَف مِنّا، ويُسلَخ جلدُها، وهي حيّة!
شعرْتُ بوخزٍ في صدري، وخالجني الخوف عليها!
إنّها الرقة، المدينة الباكية، تحنّ إلى المدينة التي كانتها، وتنتظر رسولاً يمسح دموعها.
* كاتب وروائي سوري
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.