عبدالرزاق بشير الهويدي: حوار الوداع - al-jesr

Last posts أحدث المشاركات

الأربعاء، 2 أبريل 2025

عبدالرزاق بشير الهويدي: حوار الوداع



عبدالرزاق بشير الهويدي *

من ذكريات مرت عليها أعوام وأعوام، منذ أكثر من ثلاثين عاماً، حقيقة ممزوجة بالخيال كتبت لي خاطرة وأجبتها، وكتبت هذه الكلمات ونشرتها باسم مستعار.. ومع مرور الوقت، آلمني انتشارها بأسماء لا تمت إليها بصلة. ومع ذلك، فإن ما كتبته لن يُمحى، وسيبقى في القلب والذاكرة.

حوار الوداع 

على شاطئ الفرات جلسنا وعيوننا تراقب احتضان مياه النهر لشمس المغيب.. نظرتها كانت مغطاة بالحزن وصوتها يحمل نبرة لم أعتد سماعها.. سألتني وعيناها تبحران في السماء: ماذا ستفعل إذا غنى القمر؟ فأجبت: ولمن يغني؟ قالت: اختر ما شئت.. فقلت: حددي فأنت من تسأل.. أجابت: ليكن للحب.

فأجبتها: سأجمع كل من يستطيع أن يغني من الطيور، ليبقى صوت الفرح يتردد في السماء.. سأفرش له الشواطئ بالفل والياسمين لعله يغريه فيطيل الغناء.. سأحطم الساعات، وأمزق أوراق المذكرات، وأوقف عجلات الزمن، ليبقى اللحن خالداً مادامت الحياة. سأجمع العشاق من كل بقاع الأرض ليحفظوا ويرددوا لحن الفرح القادم من السماء.


ابتسمت وزاد بريق عينيها عندما تعانقت بسمتها مع دمعة حزن لمعت على خدها، وقالت: كل هذا؟ فأجبت: لم أكتف بعد، فمازال هناك المزيد.
قالت: هذا يكفي، فلدي أسئلة أكثر وحديثنا سيطول. ولكن ماذا لو غنى القمر للحزن؟
قلت لها: ألا تعلمين أن القمر لا يعرف الحزن؟ بل هو من يضيء ليالي الشقاء.
فأجابَت: إذاً سأرحل للبحث عن مدن بلا قمر.
فأجبت: ولماذا؟ قالت: كي أسمع صوت الحزن يتردد في السماء. فأجبت: وإن لم تجدي مدينة بلا قمر؟ قالت: عندها سأنبش قبري بيدي وأرحل عن الحياة.

حاولت حبس دموعها، لكنها هربت من بين رموشها لتسقط على خدها، وعندما هممت بالاعتذار قالت: إنها دمعة فرح.. لا تهتم بها دعنا نكمل حديثنا. وفي تلك اللحظة نادانا صوت قائلاً: ألا يكفيكم؟ ها هي خيوط الفجر لاحت بالأفق. فقلت لها: هيا بنا، وغداً نكمل الحوار.

نهضت ببطء، وفي الطريق قالت: نسيت أن أسالك، ماذا ستفعل إذا غنى القمر للراحلين؟ قلت: ألم نتفق أن نكمل الحديث غداً؟ قالت: مهلاً، إذا لم يكن هناك فجر جديد؟ فأجبت: الفجر مقبل لا محالة. فقالت: لكن ماذا لو لم يكن هناك فجر؟ فقلت: من قال لك إن خيوط الشمس لن تبشرنا بيوم جديد؟


وفي تلك اللحظة بدأت زخات المطر تتساقط بغزارة، لكنها لم تكن من غيمة في السماء، بل كانت من عيون لم أرَ فيها إلا الفرح.. هنا توقف نبضي، وجفت الكلمات على شفتيّ، وجف الدم في العروق.. لم أعد قادراً على النظر في عيون لابد راحلة، فقلت: لا أطيق الوداع.
وضعت يدها على فمي، وقالت:

غداً الرحيل فلا تبكني

هي النهدات تكفيني
زوادة للسفر
لا وقت للدموع
لا وقت
غداً الرحيل
فلتسرع كل فراشة تهوى اللهب
سوف تُطفأ الشمعة الأخيرة بعد قليل
لا وقت للتفكير
لا وقت
غداً الرحيل
فلتسقط كل الأحلام الواهية
ولتقرع أجراس الوداع
غداً بانتظاري أشيائي الرائعة
ليلي وكأسي والضياع
غداً الرحيل
ما أسهل الوداع
تلويحة بيد متعبة ودمعة حزينه تجري بهدوء وصمت
غداً الرحيل
ما أصعب الوداع
دعوا القلب يتمزق
دعوا الروح تتفت
دعوا عمري يتبعثر كي ألمه على مهل
سيكون لدي الكثير الكثير من الوقت...

قلت: يكفي فإنك تخاطبين جسداً بلا روح، وقلباً بلا نبض، وعيوناً مكفوفة البصر، وأذناً محرومة من السمع.. إنني في حضرة إنسان يحتضر.


انحبست الحروف في أعماقي، وقلت لها: غداً الفراق، فلا تسألي عن ألمي، فالأحزان قد تسربت بين كل نبضة في قلبي، وغدت الذكريات حملاً ثقيلاً على ظهري.. غداً الفراق وللنهر الذي يسير باتجاه البحر لا رجعة، فلا وقت للندم، ولا للمراجعة.. حتى الذاكرة لن تنجح في التمسك بما كان.. ستسقط كما تسقط أوراق الخريف في طريقها إلى الأرض. غداً الفراق، وكل لحظة فيها كانت وعداً لم يتحقق وحلماً أضعناه على أطراف أصابعنا، ونحن ننتظر أكثر مما ينبغي. غداً الفراق، فلتسقط الكلمات كما تتساقط الأمطار غير قادرة على غسل القلب مما كان. لا وقت للأحلام الزائفة، ولا للوعود التي لم تأت.. كل شيء يختفي تدريجياً، والمشاعر تتناثر في الرياح كأوراق متساقطة.

غداً الفراق.. لا مكان للدموع في هذا الرحيل، فكل دمعة كانت جزءاً من حكاية قد انتهت، وكل حزن كان ذا معنى في زمن مضى. لا وقت للحديث عن الأيام التي ستغيب، فالغد هنا على عتبة الانتظار يقف شامخاً في وجه الماضي، والروح تستعد للانطلاق بعيداً عن الأرض التي تعرفنا عليها.

غداً الفراق.. فلتسقط الذكريات التي كانت تحاكي أمسياتنا البعيدة، ولتكن هناك لحظة واحدة أخيرة نعيشها دون عبء، دون تأمل في ما كان.. لا حاجة للدموع، فلن تثمر سوى مزيد من الألم.. بل دعونا نركض نحو النهاية، وكأنها بداية جديدة نحو الأفق الذي لا يحكي سوى ما سبق وانقضى.

غداً الفراق.. دعوا القلب يذوب.. دعوا الروح تنكسر تحت وطأة الذكريات، فإنني سأجمع شتات نفسي، وأسير نحو النهاية التي طالما خشيتها.. ولكنني أدرك الآن أنها الطريق التي لا مفر منها. لا وقت لأسئلة لن تجد إجاباتها فقط.. الوقت لي أن أرحل، وأن أغلق الباب ورائي ببطء، كما يغلق الكتاب الأخير من رواية غير مكتملة.


وفي النهاية.. نظرت إليّ بابتسامة خفيفة ممزوعة بدمعة، وقالت: لا تنسَ أن الوداع ليس النهاية دائماً، بل قد يكون بداية لحكاية جديدة.. وربما إذا كان للحب مكان في السماء، فسوف نلتقي هناك يوماً ما.. وتابعنا السير في صمت، كلٌّ منا يحمل في قلبه سؤالاً وأملاً غامضاً على أمل أن تكون الحياة دائماً مليئة باللقاءات الجديدة على الرغم من مرارة الوداع.


* كاتب سوري


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.