عبدالرزاق بشير الهويدي: الرقة.. حين يصبح الوطن ذاكرةً محفورة في القلب - al-jesr

Last posts أحدث المشاركات

الأربعاء، 26 مارس 2025

عبدالرزاق بشير الهويدي: الرقة.. حين يصبح الوطن ذاكرةً محفورة في القلب

 


عاد الأديب السوري عبدالرزاق بشير الهويدي اليوم عبر صفحته على موقع فيسبوك بذاكرته إلى مدينته الرقة حيث الأهل والصحب والفرات.. وقال إن ما نشر هو جزء من سلسلة الرقة: ذاكرة الرماد والدم يتبع.

في المدن التي تنام على ضفاف الأنهار، يبقى الماء شاهداً على من عبروا، من رحلوا، ومن بقوا على الرغم من كل شيء.. هناك مدن قد تموت في غياب ناسها، ومدن يقتلها الغياب ببطء، لكن الرقة ليست من هذا النوع، فهي مدينة ولدت من الفرات، تحمل ذاكرته في ضلوعها، وتخبئ في شوارعها حكايات لا تنطفئ، مهما تبدلت الأزمان.

في الرقة، لم تكن الحياة يوماً سهلة، ولم يكن الطريق معبداً بالورود.. بين الحصار والغزو، بين من أرادها تابعةً ومن حاول مسخ هويتها، بقيت المدينة صامدة، كما بقي الفرات يجري برغم كل القيود. كل حجر هنا له ذاكرة، كل زقاق يحمل آثار أقدام الذين مشوا فيه، وبرغم كل المحاولات لطمس ملامحها.. مازالت الرقة ترفض أن تكون مجرد اسم على خارطة، بل بقيت روحاً نابضة تسكن في قلوب أبنائها.
حين تصبح البيوت أطلالاً.. تبقى المدينة حيّة في القلوب..

مرت على الرقة أيام ظن البعض أنها النهاية، حين انهارت الجدران تحت القذائف، وحين غطى الغبار والركام كل زاوية، لكن المدن لا تموت حين تُهدم بيوتها، بل حين يُهدم أهلها من الداخل، والرقة لم تنكسر برغم الخراب، عادت الأسواق تنبض، وعاد الأطفال يركضون في شوارعها، وكأنهم يقولون للزمن: لا شيء يستطيع قتل الحياة في مدينتنا.
لكن، هل يكفي أن تعود الأرصفة لتمتلئ بالعابرين؟ هل يكفي أن تفتح المحال أبوابها من جديد؟ هناك شيء أعمق من الدمار المادي، هناك جرح في قلب الرقة لا يراه العابرون، لكنه يسكن أهلها الذين يعرفون جيداً كم خسروا وكم دفعوا ثمناً لبقائها.

مدن تحت الحصار.. والرقة خلف جدران النسيان.. ليست كل الحصارات تأتي بالدبابات، فبعضها يأتي بالنس
يان، بالعزلة، بجعل المدينة منفية حتى وهي على أرضها. بعد كل ما مر بها، لم تعد الرقة كما كانت، صارت مدينة تبحث عن نفسها، بين ماضٍ يشدها إليه، ومستقبل لم يتضح بعد. لم يعد الفرات ذاك النهر الذي يحمل الطمأنينة فقط، بل صار شاهداً على العطش الذي أصاب المدينة، وعلى الجفاف الذي يهدد كل شيء فيها، حتى الأحلام.

لم تعد المسألة مجرد إعادة إعمار، بل إعادة روح مدينة سُرقت منها ملامحها. منازلها التي كانت تمتد كأذرع مفتوحة لأهلها، تحولت إلى أطلال تنتظر من يعيد إليها الحياة. الأزقة التي كانت تضج بالحكايات، صار الصمت هو سيدها، وكأنها تنتظر أن يعود من غابوا ليكملوا حديثهم الذي انقطع ذات حرب.

الرقة... المدينة التي ترفض أن تموت..
لكن رغم كل هذا، هناك شيء لا يمكن قتله: الحب الذي يحمله أبناؤها لها. الذين خرجوا منها لم يحملوا معهم أمتعتهم فقط، بل أخذوا الرقة معهم أينما ذهبوا، في لهجاتهم، في ذاكرتهم، في الشوق الذي لا ينطفئ مهما ابتعدوا. والذين بقوا، لم يفقدوا الأمل، ظلوا يحاولون، يجمعون ما تفرق، ويرممون ما تهدم، لأنهم يعلمون أن المدن لا تعود بقرارات تكتب، بل بأيدٍ تبني، وقلوب تؤمن أن الحياة تستحق أن تعاش.

في الرقة، قد يكون الليل طويلاً، قد تكون الأيام قاسية، لكن شمسها لم تخذلها يوماً، تماماً كما لم يخذلها الفرات، الذي وإن جف، فسيبقى في أعماقه سر الحياة. فهي ليست مجرد مدينة، بل ذاكرة محفورة في القلوب، ووعدٌ بأن من عبروا هنا، لن يُمحوا، مهما حاول الزمن أن يطوي صفحاتهم.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.