أحمد عواد إبراهيم *
انحدرت الشمس نحو مخدعها الفلكي.. أغفت ذوات الأجنحة على أعشاشها.. رائحة التراب المرشوش بالماء لا يمكنك أن تراها.. لكنها تصفد روحك وتشدها إلى عمق مجهول.. ربما رائحة أمنا الأرض.
ليل يهيم في عليّة الكون.. يترنم على أطراف الروح بتراتيل حلم حريري الملمس.. يشرب الحواس فتنبت لها أجنحة براقة تكسر مزاج السكون.. وتطير بك إلى آخر الدنيا..
عدت في المساء ينهشني التعب، وأعرف أني سأكون مادة دسمة لمحاضرة من أمي.. هذا أمر تعودت عليه، حتى أصبحت أسعى له قاصداً.. وعلى رأي أمي (الظاهر جلدك يحكك).. كانت تستقبلني بعبارة لغاية اليوم لا أعرف لها جذرا أو مناسبة (يا رجلها مشواطة العيد.. جيابة العلم الجديد).. أمتعض جداً عندما يضحك أخي أو تبتسم أختي، لأن التشبيه يليق بأنثى وليس بعفريت (شاگ الگاع وطالع) يعتقد في نفسه الفتوة والرجولة.. قبل وجبة العشاء تبدأ التعليمات (قوم غسل إيديك ووجهك.. غير ثوب .. دح شلون صاير تگول گرباطي.. لا يكل ولا يمل كل النهار طافخ بهالشموس.. يول أنه أنت عاسرنا؟) السؤال الأخير لا أعرف له إجابة لغاية اليوم.. هو سؤال جدلي بالنسبة لي.
بعد وجبتيَّ البهدلة الروتينية والعشاء الاعتيادي.. جسدي يطلب الاسترخاء والراحة.. هواء ما بعد المغرب العليل، والسكون الذي بدأ يفرض هيبته على القرية، يحولان الروح إلى مشاع للأحلام والأماني الغضة الطرية.. أيها الليل: اشرب من قلبي ما تشاء.. كي أفسر لطفولتي ظلالها بعيداً عن ميم الموت السحيقة.. وجيم الفجيعة الفاجرة.
ما إن كاد الليل يفرش وليمته المشتهاة حتى خطر على بال سلمى الليااي أن تدلي بدلوها.. فاقتلعت الطمأنينة بارتطام هز العقول.. قامت قيامة الجابرية.. فذهلت النساء وذهل الرجال وأصبح لكل شأن يغنيه.. مات محمد الترك مقتولاً على يد طاسة السكران (كونة)، لأسباب تافهة تحولت إلى ليلة كارثية حصيلتها قتيل.. هل من قائل في هذا الليل (يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب).. اختلط الحابل بالنابل في ساحة القرية التي تحولت إلى ما يشبه كرنفال من الأسى.. حضر أبو حسين رئيس مخفر عامودا يسبقه لسانه الذي يسوط به حتى الأشباح.. وعناصر الشرطة راحوا يجمعون النساء والرجال في ساحة القرية في أول جلسة تحقيق جماعية.. كنت قبل قليل أموت غراماً بهذا الليل.. بهذا الضيف المرح.. ما كان يخطر لي أنه بلحظة مجنونة سوف يخمش القلب، لأقف يتلبسني الذهول وأنا أشاهد عناصر الشرطة مدججين بالأسلحة.. أيحتاج هذا الليل العاري إلى حراس؟ ورجال يلبسون الإفرنجي يدخلون ويخرجون من الغرفة التي سُجي فيها جسد القتيل.. لا أحد من حولي يجسر على البكاء.. فهذا موت لم نألفه بعد ولم نقابله قط.. الكل ينبت على أطراف صحراء الخوف المجدبة.. وهذه صورة ستظل أكثر تغلغلاً في ذاكرتي.
رحت أفتش عن طاسة السكران.. أي فضول سخيف هذا الذي يدفعني إلى قراءة وجه القتيل بوجه قاتله؟ لكن طاسة وأهلها كانوا قد غادروا الجابرية سالكين طريق (القچك) إلى قرية البهيرة.. (دخلوا) على الشيخ شواخ البورسان مستجيرين.. وهذا الأمر يحميهم من طُلاب الثأر إلى حين تسوية الأمر مع الجهات المختصة.. علمنا بعد مدة أن من حمل جريمة القتل كان أحد أبناء سكران الذكور بعد أن تدخل الشيخ شواخ ولفلف الأمر حتى لا تُسجن طاسة كونها أنثى.. فظلت تحمل على كاهلها وزر قتيل وجريرة سجين بريء..
لم يحتج الأمر إلا لـ"كلمتين ورد غطاهن" من بعض رجال القرية.. بعد المغرب تقاتلت العائلتان.. طاسة ضربت محمد الترك على قفا رأسه بشدحة.. فمات الرجل بلحظتها.. لا أحد يعرف أسباب المشكلة، ولا أحد يهتم أصلاً.. فمعرفة الأسباب التافهة لن تعيد الزمن إلى الوراء، ولن تجفف الدموع وتغسل الدم.. نحن فقط نحتاج إلى أتفه الأسباب حتى نتذابح.. لم يتح لي الموت أن أحلق أبعد من سقف الكلَّة.. حقاً أشعر بالضياع.. لا يلزمنا حتى نضيع أن تكون الأمكنة واسعة وكبيرة ومعقدة.. أحياناً نضيع في غرفة أو تحت اللحاف أو في شربة ماء.
لم أكن أعرف ما الذي سيحمله الصبح، فالقرية تنام وكأنها لاتنام.. محاصرة بالخوف والحزن والصمت بعد أن تبخرت الفوارق بين الميت والحي.. ثمة من يبكي هناك.. وهناك أيضاً من يعض أصابعه ندماً.. أما أنا فبحاجة لقرية تمنحني عينين جديدتين.. وصوتاً بأجنحة عملاقة حتى يحلق عالياً.. يحلق أكثر، ويصرخ في وجه هذا العالم: تباً يا شدحة الموت.
ليل يهيم في عليّة الكون.. يترنم على أطراف الروح بتراتيل حلم حريري الملمس.. يشرب الحواس فتنبت لها أجنحة براقة تكسر مزاج السكون.. وتطير بك إلى آخر الدنيا..
عدت في المساء ينهشني التعب، وأعرف أني سأكون مادة دسمة لمحاضرة من أمي.. هذا أمر تعودت عليه، حتى أصبحت أسعى له قاصداً.. وعلى رأي أمي (الظاهر جلدك يحكك).. كانت تستقبلني بعبارة لغاية اليوم لا أعرف لها جذرا أو مناسبة (يا رجلها مشواطة العيد.. جيابة العلم الجديد).. أمتعض جداً عندما يضحك أخي أو تبتسم أختي، لأن التشبيه يليق بأنثى وليس بعفريت (شاگ الگاع وطالع) يعتقد في نفسه الفتوة والرجولة.. قبل وجبة العشاء تبدأ التعليمات (قوم غسل إيديك ووجهك.. غير ثوب .. دح شلون صاير تگول گرباطي.. لا يكل ولا يمل كل النهار طافخ بهالشموس.. يول أنه أنت عاسرنا؟) السؤال الأخير لا أعرف له إجابة لغاية اليوم.. هو سؤال جدلي بالنسبة لي.
بعد وجبتيَّ البهدلة الروتينية والعشاء الاعتيادي.. جسدي يطلب الاسترخاء والراحة.. هواء ما بعد المغرب العليل، والسكون الذي بدأ يفرض هيبته على القرية، يحولان الروح إلى مشاع للأحلام والأماني الغضة الطرية.. أيها الليل: اشرب من قلبي ما تشاء.. كي أفسر لطفولتي ظلالها بعيداً عن ميم الموت السحيقة.. وجيم الفجيعة الفاجرة.
ما إن كاد الليل يفرش وليمته المشتهاة حتى خطر على بال سلمى الليااي أن تدلي بدلوها.. فاقتلعت الطمأنينة بارتطام هز العقول.. قامت قيامة الجابرية.. فذهلت النساء وذهل الرجال وأصبح لكل شأن يغنيه.. مات محمد الترك مقتولاً على يد طاسة السكران (كونة)، لأسباب تافهة تحولت إلى ليلة كارثية حصيلتها قتيل.. هل من قائل في هذا الليل (يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب).. اختلط الحابل بالنابل في ساحة القرية التي تحولت إلى ما يشبه كرنفال من الأسى.. حضر أبو حسين رئيس مخفر عامودا يسبقه لسانه الذي يسوط به حتى الأشباح.. وعناصر الشرطة راحوا يجمعون النساء والرجال في ساحة القرية في أول جلسة تحقيق جماعية.. كنت قبل قليل أموت غراماً بهذا الليل.. بهذا الضيف المرح.. ما كان يخطر لي أنه بلحظة مجنونة سوف يخمش القلب، لأقف يتلبسني الذهول وأنا أشاهد عناصر الشرطة مدججين بالأسلحة.. أيحتاج هذا الليل العاري إلى حراس؟ ورجال يلبسون الإفرنجي يدخلون ويخرجون من الغرفة التي سُجي فيها جسد القتيل.. لا أحد من حولي يجسر على البكاء.. فهذا موت لم نألفه بعد ولم نقابله قط.. الكل ينبت على أطراف صحراء الخوف المجدبة.. وهذه صورة ستظل أكثر تغلغلاً في ذاكرتي.
رحت أفتش عن طاسة السكران.. أي فضول سخيف هذا الذي يدفعني إلى قراءة وجه القتيل بوجه قاتله؟ لكن طاسة وأهلها كانوا قد غادروا الجابرية سالكين طريق (القچك) إلى قرية البهيرة.. (دخلوا) على الشيخ شواخ البورسان مستجيرين.. وهذا الأمر يحميهم من طُلاب الثأر إلى حين تسوية الأمر مع الجهات المختصة.. علمنا بعد مدة أن من حمل جريمة القتل كان أحد أبناء سكران الذكور بعد أن تدخل الشيخ شواخ ولفلف الأمر حتى لا تُسجن طاسة كونها أنثى.. فظلت تحمل على كاهلها وزر قتيل وجريرة سجين بريء..
لم يحتج الأمر إلا لـ"كلمتين ورد غطاهن" من بعض رجال القرية.. بعد المغرب تقاتلت العائلتان.. طاسة ضربت محمد الترك على قفا رأسه بشدحة.. فمات الرجل بلحظتها.. لا أحد يعرف أسباب المشكلة، ولا أحد يهتم أصلاً.. فمعرفة الأسباب التافهة لن تعيد الزمن إلى الوراء، ولن تجفف الدموع وتغسل الدم.. نحن فقط نحتاج إلى أتفه الأسباب حتى نتذابح.. لم يتح لي الموت أن أحلق أبعد من سقف الكلَّة.. حقاً أشعر بالضياع.. لا يلزمنا حتى نضيع أن تكون الأمكنة واسعة وكبيرة ومعقدة.. أحياناً نضيع في غرفة أو تحت اللحاف أو في شربة ماء.
لم أكن أعرف ما الذي سيحمله الصبح، فالقرية تنام وكأنها لاتنام.. محاصرة بالخوف والحزن والصمت بعد أن تبخرت الفوارق بين الميت والحي.. ثمة من يبكي هناك.. وهناك أيضاً من يعض أصابعه ندماً.. أما أنا فبحاجة لقرية تمنحني عينين جديدتين.. وصوتاً بأجنحة عملاقة حتى يحلق عالياً.. يحلق أكثر، ويصرخ في وجه هذا العالم: تباً يا شدحة الموت.
* كاتب وفنان تشكيلي سوري
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.