وطفة الفرات *
إلى الغريبُ الذي يُشبهني:
"ليش كلما أوصل عيونك
تِسد بوجهي باب...
وتِطفا روحي.....
وتِرجع جنازهَ
بكُبُر فَشلَة جَرِح....؟!
وليش كلما أنسى َروحي بباب شِفتَك،
مِنْ تجيني تبوس جرحي
تگطّر شفافكْ مِلح"؟
ياغريب…
أنا التي كنتُ ظِلَّ نفسي، أُلقيها في النهر كلّما ثَقُلَ الحنينُ في عِظامي، ثم ألتقطُها كصورةٍ باهتةٍ في مرآةِ المسافة.
أنا التي كنتُ ظِلَّ نفسي، أُلقيها في النهر كلّما ثَقُلَ الحنينُ في عِظامي، ثم ألتقطُها كصورةٍ باهتةٍ في مرآةِ المسافة.
شفتاي تُرتلان أسماء الذين رحلوا.. ويَدي ترتعشُ كلما حاولتُ الإمساكَ بظِلالهِم،
كأن الفراغ صارَ قانوناً، والغربةُ دِيناً، والفقدُ أبديةً تُفرضُ علينا قبل أن نولَد.
يا آخرَ الناجينَ من جوقةِ الحطام، ويا أول المبتَلَين بالدهشة، أبعث إليك حروفاً محمولةً على غبارِ الخسارات، وملفوفة في وشاحِ الأمل المعلَّق على حبلِ الغيب.
لقد مرّ العمرُ من هنا يعرُجُ على ساق الغياب، يتركُ في الروحِ فجوةً على مقاسِ من لم يأتِ بَعد.
كنتُ أُعِدُّني لسماءٍ تتسعُ لي، فداهمَتني الأرضُ بضيقِها الموجِع.. والآن أقتاتُ على الغبارِ في المنافي، أعضُّ على الوقتِ بأنيابِ الذكرى، وأحرسُ في صدري مدينةً لم تَعُد تخصُني.
ومرَّ النسيان من هنا.. ولم يطرق بابي.
ومرَّ النسيان من هنا.. ولم يطرق بابي.
كنتُ أرتِّبُ المنفى في حقائب روحي حيثُ لمحتُ ظِلَّك يتكئُ على جدارِ المسافة، فسقطَ من يدي آخِر وطنٍ كنتُ أُؤمنُ به.
أتعلم؟ نحن الذين خَبِرنا التيه، نحفظُ الخرائطَ في صدورنا.. لكنّنا لا نصِل.. ومرَّ الحنينُ من هنا.. صافحَ الأبوابَ المهجورة، وقَبّلَ رأس الذكرياتِ الناعسة، ثم افترشَ صمتَ المسافةِ ونام.
في غيابك، تصيرُ المدن ثقيلة كقلبٍ لم يفلح في نسيانِ نبضهِ الأخير، وتصيرُ السماء قُماشةً باليةً مهترئة عند أطرافها، يرشّها الليل بدمعٍ باردٍ لا يجِف.
ومرَّ الوقتُ من هنا وبقيتُ عالقةً في هوامشه، كحكايةٍ لم تَجِد من يرويها.
وانتَ………!!!
"لا مريتْ ولا نِشديتْ
ولا طارش چِذب وَدّيت"
"وبكل شي أَقبَل.. بَس مُرني
مُرني لو تابوت بارد
مُرني لو صفگة شِماته...
لياوكِت غافي اعلَى بابكْ...
خَلْ يُمر طيفكْ
ولو شهگة نَعِش....
چنت أتاني الغيم يُمطُر صورتك
فوگ العطش..
ومرّت الغيمه
وعِصَر وجههَ النهر..
وأنه وشفافي ودمعتي
تسودنِت من فشلتني
وگِتلي رايح..
درتْ وجهي
وغيمتكْ مِطرَت سَفر.."
"لا مريتْ ولا نِشديتْ
ولا طارش چِذب وَدّيت"
"وبكل شي أَقبَل.. بَس مُرني
مُرني لو تابوت بارد
مُرني لو صفگة شِماته...
لياوكِت غافي اعلَى بابكْ...
خَلْ يُمر طيفكْ
ولو شهگة نَعِش....
چنت أتاني الغيم يُمطُر صورتك
فوگ العطش..
ومرّت الغيمه
وعِصَر وجههَ النهر..
وأنه وشفافي ودمعتي
تسودنِت من فشلتني
وگِتلي رايح..
درتْ وجهي
وغيمتكْ مِطرَت سَفر.."
في غيابك، أعدّ لكَ القهوة كما لو كنتَ ستأتي بعد قليل، وأرشُّ على الطرقات رائحةَ المطر، وأُقنِعُ القمر أن يهبطَ قليلاً ليقرأ معي الرسائل القديمة. أقول له: "هذا هو، كان يرسم المدن بملح الدمع، ويكتب على الجدران أسماء الذين لم يولدوا بعد، ثم يمضي تاركاً أثراً يشبه الأسطورة".
كلما حاولتُ أن أطمَئِنَّ إلى حنيني.. نبَشهُ الغياب بأظافره الطويلة، وتركَ لي حُفراً من الذكريات، ِأسقطُ فيها كفكرةٍ فَقَدَتْ يقينَها.
... منذُ متى وأنا أكتبُ لكَ كما لو أنني أكتبُ لنفسي؟.. أَمِنْ فَرطِ الوحشةِ صِرنا ظِلاً واحداً، يُضيئُ حينَ يَتَعثّر الآخَرفي العتمة؟
أيها الغريبُ الذي يضُجُّ بملامحي: لا تسألني عن اللون في مُدنِ الرماد، ولا عن الطمأنينة ِ في أفواه العاصفة.. فقط قُل لي:
كيفَ يواصلُ النهرُ جريانهِ وهو يحملُ في جوفهِ كل الغرقى؟
وكيف يشيخُ الفرحُ قبلَ أن يولَد
وكيف يموتُ الصوتَ قبلَ صاحبهِ؟
وكيفَ يصيرُ العمرُ قماشةً مهترئة في يد ِ الوقت؟
وكيفّ نملأُ جيوبنَا بالخذلانِ ولا نزالُ نبحثُ عن معجزة؟
وليش؟
ليش "ماگلتلي من البدايه!
الحب ضلاله..
الشوگ لعنه..
حتى لاأكفر وأحبك..
وماگلتلي
عيونك الحلوات
مابيهن قرار
وماگلتلي
الليل شيّع كل محطات الضوَا
وصارتْ مگابر
حته ما تاني القطار..
وليش ترسمني شبابيچ إنتظار"؟
وانتظرتُكَ وكنتَ في ذاكرتي كشجرةٍ لا تؤمن بالخريف، وتلوّح لي من النهايات كحُلمٍ يرفض أن يستيقظ. آهٍ يا صديق الخرائط الممزقة، يا مَن خطّ على جدران الريح قصائدَ لم يقرأَها أحد، كيف صِرتَ بعيداً إلى هذا الحد؟ وكيف صارت المسافات بيننا أوسع من صمتِ المنافي؟ لم أعُد أريد شيئاً.. يكفيني أن أكونَ أثرَ غريبٍ عبْرَ هذا الكون، أن أتركَ بعضَ أنفاسي في طريقٍ لا يعرفني.. أن أُعلّقَ روحي على حبالِ الريح، لعلها تسقطُ في يدِ من يُتْقِنُ قراءةَ الخسارات.
سلامٌ عليكَ أيها العابر في ظنوني.. إن مررتَ بذاكرتي يوماً لا تُوقِظ أحداً، فقط ودّعني كما جِئتَ، بلا صوتٍ.. بلا أثر، كظلٍ مشى على اطراف الحياة ثم اختفى..
وإن مررتَ بالريح، فاستودعها سلاماً يتكئ على كتِفِ الانتظار، وإن مررتَ بحُلم، لا تَصحُ قبل أن تُعيدَ ترتيبَ الظِلال في ذاكرتي التي خبأَتْ صوتها في الماء، ولم تجد إلا الصدى..
وتعال..
"تعالْ بحلِم ... أحسبها إلكْ جَيّه واگولَن جِيتْ
يلرُهميتْ.. يا مفتاح فضة ولا رِهَمْ غيرك ْعَلي مفتاح
أچوت لك مَخدّتي وانطِر الشبّاچ اليجيبك..
وانتَ عرس الليل
والقدّاح
يا هلبت تجي وترتاح".
* كاتبة سورية، تستخدم اسماً مستعاراً، حسابها على موقع فيس بوك وطفة الفرات
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.