عبدالرزاق بشير الهويدي: العيد والرقة وأمي التي تسكنني - al-jesr

Last posts أحدث المشاركات

الاثنين، 31 مارس 2025

عبدالرزاق بشير الهويدي: العيد والرقة وأمي التي تسكنني

 


عبدالرزاق بشير الهويدي *

العيد ليس مجرد يوم عابر أو تاريخ يمر ثم يمضي، بل هو لحظة تتقاطع فيها طبقات الوجود بين الماضي الذي لا يختفي، والحاضر الذي يتنفس بصعوبة، والمستقبل الذي يتشكل من بقايا الأحلام والذكريات. العيد ليس في الأضواء المعلقة ولا في رائحة الحلوى التي تملأ البيوت، بل هو في الروح التي تتلمس أثر الذين كانوا هنا، في الوجوه التي نبحث عنها بين الحشود، في الأسماء التي لم نعد ننطقها إلا همساً خشية أن تنهار ذاكرتنا قبل أن تنهار الكلمات.

وها أنا والعيد بيننا حكاية من الاشتباك الوجداني، حكاية من النقصان، من الحنين الذي يشدني إلى أيام لم أكن أفهم قيمتها حين كانت تمضي بي بلا اكتراث. كنت أظن أن العيد مجرد طقس يتكرر، لكنه الآن صار امتحاناً للذاكرة، اختباراً للقدرة على التأقلم مع الفراغ، صار موعداً مع الفقد الذي لا يكتمل.

أمي التي لم يرحل حضورها برغم الغياب:
أمي كانت تعرف كيف تصنع العيد، ليس بالثياب الجديدة ولا بالضيافة العامرة فقط، بل بذلك الحنان الذي كان يحيط بنا من دون أن نطلبه، بذلك الشعور بالأمان الذي كنا نغرق فيه من دون أن ندرك قيمته. كانت العيد قبل أن يأتي العيد، وكانت الفرح قبل أن ندرك كيف يكون الفرح. وحين غابت، لم يأخذها الموت وحده، بل أخذ معها نكهة العيد، ترك لنا أياماً تحاول أن تكون أعياداً، لكنها تبقى ناقصة، تفتقد شيئاً لا يمكن تعويضه.

أدركت بعد رحيلها أن العيد ليس في الأشياء بل في من يشاركنا هذه الأشياء. كان العيد يكبر حين تبتسم أمي، وحين تدعو لنا بفرح خفي، وحين تقسم الحلوى بين أيدينا كأنها توزع بركتها. والآن صار العيد مراً، كأنما فقد روحه، كأنما بات ينتظرها كما انتظرها، كأن المدينة كلها تعرف أن فرحنا لم يعد مكتمل الدائرة كما كان.

الرقة.. المدينة التي تحتفل برغم الجراح:
في الرقة، العيد ليس يوماً عابراً بل طقساً يعيد تشكيل الذاكرة. كانت شوارعها تضج بالحياة، ضحكات الأطفال تملأ الأزقة، والمنازل تفتح أبوابها للفرح. لم يكن العيد مجرد مناسبة، بل جزءاً من روح المدينة، مثل الفرات الذي لا يكف عن الجريان. لكن الأعياد تغيرت، لم تعد كما كانت. بعض البيوت فقدت أصحابها، وبعض الشوارع لم تعد كما نعرفها. هناك من يحتفل كما اعتاد، وهناك من يفتقد أحباباً لن يعودوا. كل عيد يمر، يحمل معه ذاكرة جديدة، شاهداً على ما تبدل وما بقي.

الفرات.. النهر الذي لا يشيخ:
الفرات ليس مجرد نهر، بل شاهد على كل الأعياد، على الضحكات التي ترددت على ضفافه، على الأغاني التي تلاشت في مياهه، على الأقدام الصغيرة التي ركضت نحوه بفرح، ثم كبرت وغابت. كان النهر يحتفل معنا، يعكس ضوء العيد في مياهه، يروي الأشجار التي شهدت تجمعاتنا، يحمل في جريانه كل الحكايات التي يخشى الناس أن ينساها الزمن.

أنا والعيد.. والرقة التي تشبه بيتي:
لم يكن بيتنا قصراً، لكنه كان يتسع الجميع، تماماً كما تفعل الرقة كل عيد. لم تكن موائدنا فاخرة، لكنها كانت مليئة بالمحبة، مثلما تفعل المدينة حين تفتح قلبها للناس. لم يكن العيد مكلفاً، لكنه كان صادقاً، وكان الفرح يكفي لأن يكون بسيطاً حتى يملأ القلب.

أنا والعيد والرقة والفرات، خيوط متشابكة لا تنفرط. لا أستطيع أن أفصل العيد عن أمي، ولا أستطيع أن أفصل الرقة عن الفرات، ولا أستطيع أن أفصل نفسي عن كل هذا. ربما لا يعود العيد كما كان، لكنني أعرف أن الرقة ستظل قادرة على الاحتفال، وأن الفرات سيظل يغني، وأن أمي ستظل تسكنني في كل عيد. أبحث عن ملامحها في تفاصيل اليوم، في ابتسامات العابرين، في صوت المآذن، في رائحة القهوة. الرقة تحتضنني كما كانت تفعل أمي، والفرات يروي حنيني، والعيد يمرّ لكنه لا يشبه الأعياد التي كانت. مازلت أبحث عن ذلك العيد الذي كان يبدأ بنظرة أمي، وينتهي بدفء الرقة وحكايات الفرات.

* كاتب سوري

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.